عرفتك مصليا.. فرحمة الله عليك .. ياجامع
Written by د. جلال الدين محمد صالح   
Wednesday, 03 March 2010

 عرفته كرن وهو يومئذ شاب، ينشط في صفوف شباب الرابطة الإسلامية، بكل حيوية وحماس، ويحمل فكرا إسلاميا مستنيرا، متطلعا إلى مجتمع متحرر من الهيمنة الاستعمارية، والخرافة الدينية الساذجة، ومقاوما لها، فكرا مؤسسا على عقيدة سلفية، تصل تدين الأجيال المتلاحقة بتدين جيل المجتمع الأول الذي قال عنه سيد قطب رحمه الله (جيل قرآني فريد) ضمن نخبة من المثقفين الكرنيين، عرفوا في الخمسينيات بـ(الوهابين) لنفورهم من مظاهر الخرافة...

 ******************************************

عرفتك مصليا.. فرحمة الله عليك .. ياجامع

 

أبو محمد جامع بن عبد الرحمن بن أحمد شيخاش، هو ابن الحركة الإسلامية الإرترية البار، وفقيدها الأبي الوفي، وناصحها الأمين، استوطن كسلا بعد أن هاجر إليها من مدينته الباسلة كرن، ليواصل نضالاته الوطنية، ضمن أولئك الفتية الذين خرجوا مثله ثائرين من كل أرجاء الوطن الإرتري العريض، بعد أن هتفوا في وجه المحتل (لا) للاستعمار، (لا) للاستعباد، (لا) للاستيطان، (نعم) للحرية و(نعم) للاستقلال.

 

وهو وإن خرج في لحظة من العمر كنا نحن فيها صغارا، فإن أسرته أشهر من أن يجهلها كرني له إلمام ومعرفة بالأسر الكرنية العريقة، وغالب الكرنيين ممن عاصروا (جامعا) وعايشوه عن قرب، يعرفون بالتأكيد من هو ( جامع) ذلك الشاب الرياضي البارع الفارع، الذي كان من ألمع لاعبي فريق ( استيلا) ثم (المرغني) في كرن، بصحبة الهداف الشهير، والحكم الرياضي القدير (علي حمدين) ومن المثقفين العصاميين، والناشطين السياسيين، الهائمين وراء المعرفة، والملتهمين لها أنى وجدوها، والمتلهفين إليها بشره، المتدفق غيرة على أرضه، وعرضه، ودينه.

 

أما الأجيال الكرنية اللاحقة من أمثالنا، فإنها وإن لم تعرف (جامع) الرياضي معرفة قرين لقرينه، لفارق العمر والسن، فإن منها من سمع عنه الكثير من المحامد والمآثر كما سمعت أنا، وإنا منها من قد عرف ـ كما عرفت أنا ـ شقيقيه الرياضيين أيضا، الأخ (عبد الله عبد الرحمن) ـ مد الله في عمره على طاعته ـ الذي قاد فريق (عنسبا)، وشقيقه الراحل (عثمان) ـ رحمه الله ـ حارس مرمى فريق (عنسبا)، الذي اشتهر بين الرياضيين الكرنيين بـ( عثمان رطل) لطول قامته، وبراعة تصديه للأهداف التي كانت تصوب نحو شبكة مرماه.

 

فهو من أسرة أصيلة في انتمائها الكرني، أليفة ومألوفة، ممتزجة بمحيطها الاجتماعي الكرني كل الامتزاج، مشاركة في أفراحه، وأتراحه، ويعد أبناؤها من أهم وأبرز المعالم الرياضية لمدينة كرن، لا يمكن أن يذكر فريق (المرغني) إلا والفقيد جامع يذكر معه، أو فريق (عنسبا) إلا ويذكر فيه الشقيقان عبد الله عبد الرحمن، والمرحوم عثمان، كما لا يمكن أن تذكر إسهامات المثقفين الكرنيين، ونضالات الثائرين الكرنيين، الرافضين لكل صنوف الظلم، والمتمردين على كل أنواع الطغيان، دون أن يذكر فيها فقيد الحركة الإسلامية الإرترية الأخ الراحل (جامع عبد الرحمن) رحمه الله.

 

لقد كان الفقيد (جامع) رحمه الله أحد أولئك الشباب الكرنيين الأباة، المستنيرين بالوعي الإسلامي، الذين آمنوا بربهم، وزادهم الله هدى على هداهم، الذين عرفتهم كرن بتصوراتهم الإسلامية التحررية، في وقت أصعب ما كان فيه تبني مثل هذه التصورات العقدية، التحررية، والإعراب عنها، تعرفت عليه بعد الهجرة إلى كسلا ضمن من تعرفت عليهم من أبناء الحركة الإسلامية الإرترية في هذه المدينة الحدودية، وهو بحق من السابقين الأولين في مواجهة التيار اليساري الذي هيمن على الثورة في كل من جبهة تحرير إرتريا رائدة الكفاح المسلح، وقوات التحرير الشعبية، خلال حقبة السبعينيات فما بعدها، وأحد الذين تنبهوا لخطورة أطروحاته الفكرية والسياسية على الحق الإسلامي الضائع، ومستقبل إرتريا الأمني والسياسي.

 

كان رحمه الله ـ كما تحدث عنه الأخ الفاضل (علي عبد العليم ) في مقاله التأبيني ( جامع عبد الرحمن ... الرحيل الهادئ.. والفراق الأليم ) ـ واحدا من هؤلاء الذين كانت لهم صولات وجولات في التصدي لهذا الفكر المفلس الذي انهار عالميا، المارق عن قيم الأمة، وما كان يمارسه وقتها من تجاوزات استفزت مشاعر المجتمع الإرتري وأحاسيسه العقدية، انطلاقا من قراءة ساذجة للفكر الماركسي، وانفعالا طفوليا مع تحليلاته الدايلكتيكية التي أثبتت الأيام خرفها، من غير وعي بأضراره الخطيرة، التي أسلمتنا في نهاية المطاف إلى الشوفينية التجرنياوية، ومكنت الممارسات الطائفية من رقابنا، وهو يومئذ ضمن صفوف الطبقة العاملة التي ما زالت حتى اللحظة مسحوقة، ليس من الرأسماليين فحسب، وإنما أيضا من الماركسيين الطائفيين وغير الطائفيين أنفسهم ـ هذه الطبقة التي غذت الثورة الإرترية من عرق جبينها، وكد يمينها، منتزعة اللقمة من فم أطفالها، على أمل أن يكون لهؤلاء الأطفال مستقبل ينعمون فيه بالأمن الاجتماعي، والازدهار الثقافي، والاستقرار السياسي، لكن ها هي الآمال قد تبخرت، والأحلام قد تبددت، والوطنية قد احتكرت، والوطن ذاته بات مكبلا، وها هم أطفال الأمس يلفظ بهم الوطن خارجه، يرون الطائفية السياسية تمارس فيهم أحقادها، وتنشب عليهم أظفارها، كما يرون آباءهم يدفنون خارج تربتهم، لمجرد أنهم قالوا (لا ) للطائفية، كما قالوا من قبل ( لا ) للاستعمار، ليبدؤوا هم من جديد مسارا آخر من العناء والشقاء، مشردين في الصحاري، وفارين خارج الديار، تلتهمهم الحيتان في المحيطات، ومنهم من يسقط بين أسلاك حدود الكيان الصهيوني قتيلا أو جريحا، وآخرون يكافحون لإعادة الحق المسلوب، والكرامة الإنسانية المنتهكة، بعد أن وجدوا أنفسهم أمام خطى ليس لهم من المشي عليها بد، ومن كتبت عليه خطى مشاها.

 

كثيرا ما كنت أقابل الأخ (جامع) رحمه الله في جامع كسلا عند صلاة الظهر، والمغرب، والعشاء أحيانا، فقد كان رحمه الله حريصا على أداء الصلاة جماعة، أجد منه التحية الباسمة، وأرى فيه المشية الهادئة، قمة في التواضع، وقمة في الوقار، و قمة في احترام الآخرين، ينزل الناس منازلهم، ويحفظ لهم مكانتهم، يعرف للزمن قيمته، ولا يقبل أن يهدره في الجلسات الجانبية، والوقفات التي ليس من ورائها فائدة تذكر، لذا كثيرا ما كنت أراه يسرع الخطى إلى حيث يعمل بعد أداء فريضته في المسجد، وقليلا ما كان يتوقف للمحادثات العابرة، مما جعلني آخذ عنه ذلك الانطباع في تقدير الوقت، وفي الاهتمام به، انتظمته رحمه الله صفوف الحركة الإسلامية الإرترية منذ أن كان شابا يافعا، في كل مراحل نموه التثقيفي، ونضوجه الفكري، من أول ما كان يلتقي مع أقرانه في مقهى المرحوم عبد العليم محمد بكرن، قدام مبنى ( بلاسا ريفا) إلى أن انخرط في حلقاتها التربوية وأسرها التنظيمية، بعد الهجرة والخروج من كرن، (الرواد المسلمون) (حركة الجهاد الإسلامي) (الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية).

 

لقد جعل منه إيمانه القوي بقيم الدين والعقيدة رجلا صلبا في مواجهة الباطل، عنيدا في المطالبة بحقه، مؤمنا بعدالة قضيته الوطنية، مناضلا ومجاهدا في رفع الظلم عن شعبه وانتزاع حقه المغصوب من بين أيدي أولئك الغاصبين الظالمين، دون أن ينحرف قيد أنملة، ودون أن ينكسر أمام مزايدات الماركسين في حزبي العمل والشعب اللذين نكلوا بالإسلاميين، وبكل من خالف خيارهم الماركسي شر تنكيل بذرائع وهمية، أوصلت الجبهة إلى كركون وتهداي، مشتة إلى كتل وتجمعات لا رابط بينها، كل فئة منها تلعن أختها وتُخَوِّنُها، وكأنها لم تكن في يوم من الأيام جزءا من تنظيم واحد اسمه جبهة تحرير إرتريا، حتى تقزمت الجبهة وانتهى بها الأمر إلى ما هي عليه الآن، بعد ذلك المد العريض الذي غطى أكبر رقعة من جغرافية الساحة الإرترية!!.

 

ما هذا بغريب على (جامع) رحمه الله، فقد عرفته كرن وهو يومئذ شاب، ينشط في صفوف شباب الرابطة الإسلامية، بكل حيوية وحماس، ويحمل فكرا إسلاميا مستنيرا، متطلعا إلى مجتمع متحرر من الهيمنة الاستعمارية، والخرافة الدينية الساذجة، ومقاوما لها، فكرا مؤسسا على عقيدة سلفية، تصل تدين الأجيال المتلاحقة بتدين جيل المجتمع الأول الذي قال عنه سيد قطب رحمه الله (جيل قرآني فريد) ضمن نخبة من المثقفين الكرنيين، عرفوا في الخمسينيات بـ(الوهابين) لنفورهم من مظاهر الخرافة التي كانت سائدة حينها، كانوا يلتقون في مقهى زميلهم المرحوم ( عبد العليم محمد) الذي كان واحدا منهم، يتثاقفون، ويتفاكرون، ويتحاورون، حول واقع مجتمعهم الفكري، والسياسي، والثقافي، ويقرؤون ما يصلهم من مصر من الأدبيات الإسلامية، وما تبدعه أقلام أدباء العربية فيها، وهم : الأديب الراحل الشاعر عبد الرحمن سكاب رحمه الله، ورفيق دربه الثقافي الأخ هاشم حسن مهري مد الله في عمره على طاعته، وألبسه ثوب العافية، والأستاذ علي زبيبي، والسيد المرحوم عبد العليم محمد، والفقيد الراحل جامع عبد الرحمن أحمد، بارك الله في عمر الأحياء منهم، ورحم الموتى.

 

وهكذا لم يكن فقيدنا رحمه الله مجرد شاب رياضي لعب في فريق من فرق كرة القدم الكرنية، وإنما كان أيضا حامل رسالة، وصاحب رؤية، واعيا بدوره الإيماني في الحياة، قارئا مثقفا يعتني بتنمية فكره، وصقل مواهبه الذهنية، من خلال القراءة الراشدة، والمثاقفة الفكرية، والمحاورة الجادة، وهذا ما جعل منه رحمه الله فيما يظهر لي رجلا مقداما في إبداء وجهة نظره الاعتراضية بكل ثقة، قبالة كوادر اليسار الماركسي، وعلى وجه الخصوص في اتحاد عمال إرتريا فرع كسلا، كما ذكر عنه الأخ علي عبد العليم، واعيا بخطر الأفكار الدخيلة وآثارها المدمرة، إنها نشأته العقدية الصافية، ضمن تلكم الكوكبة من شباب كرن في الخمسينيات، في مقهى المرحوم عبد العليم محمد.

 

كم كنت حريصا للقائه من أجل توثيق المعلومات التي قد تختزنها ذاكرته عن الحركة الثقافية في كرن، خلال فترة الخمسينيات، لتكون جزءا من كتابي ( كرن .. الأصالة والتراث ) الذي أرجو أن يرى النور قريبا إن شاء الله، ولكن قضاء الله مضى في رحيل ( جامع ) ـ رحمه الله ـ قبل أن يحدث هذا اللقاء التوثيقي.

 

ولأن الحياة في عقيدة (جامع) مسيرة طويلة من العطاء المتواصل الذي لا يعرف الملل والكلل، كان رحمه الله ـ كما كتب عنه الأخ علي عبد العليم ـ أحد الروافد التي أمدت العمل الإسلامي الإرتري بأقصى ما تستطيع أن تمده به من طاقة دافعة، إذ ضرب لنا رحمه الله في هذا النوع من الفهم لمغزى الحياة والتفاني في تمثل المبادئ وخدمتها أروع مثل، حين جعل من قيم الدين أعظم ما يمكن أن يؤسس عليه الإنسان المسلم أسرته، إذ تقدمه ابنه البكر (محمدا) شهيدا في مسيرة العطاء الإسلامي ـ كما أورد ذلك الأخ علي عبد العليم ـ ليكون له بإذن الله سلفا إلى الجنة، تقبله الله عنده في العليين، وأسكنهما معا فسيح الجنان على سرر متقابلين.

 

من ها هنا أقول: إنه لمن ضروريات قيم الأخوة الإسلامية وواجباتها العقدية، والحركية، والاجتماعية، أن يعزي أبناء الحركة الإسلامية الإرترية بعضهم بعضا في فقيد حركتهم، وشريك مسارهم الإسلامي الأخ (جامع) الذي وافته منيته وهو يؤدي واجبه الإسلامي تقربا إلى الله تعالى، وتسليما له بالعبودية الخالصة ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).

 

وفي مثل هذه الحالة من المصائب سن الإسلام أن يقول المسلمون كما قال نبيهم من قبل: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا (جامع) لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: (إنا لله وإنا إليه راجعون).

 

ومن ها هنا أيضا أعزي في فقيد الجميع نفسي أولا، ثم كل فرد من أبناء الحركة الإسلامية الإرترية بوجه عام، وعلى وجه الخصوص الأخوة في الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية، وعلى رأسهم الأمين العام للحزب الإسلامي الأخ أبو مصعب خليل محمد عامر، والأخ أبو ماجد حامد تركي، وألأخ ضياء الدين عبد الرحمن، والأخ عبد الحميد قايد، وكل من له صلة صداقة أو قرابة بالأخ الفقيد رحمه الله، وعلى وجه الخصوص أفراد أسرته في كسلا، زوجةً وأبناءً، وشقيقه في جدة الأخ (عبد الله) وشقيقته في كسلا، سائلا المولى عز وجل أن يلهمهم جميعا الصبر، وأن يخفف عليهم وطأة مصيبة الموت، وأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يبارك في نسله، وأن يبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأن يغسله بالثلج والماء والبرد، وأن يوسع عليه مدخله، وينير عليه قبره، ويريه منزلته في الجنة، وأن يتقبل منه ما قدم من مجاهدات في سبيل دينه وشعبه، ويضاعف له حسناته وصالح أعماله، ويتجاوز عن سيئآته، وأن يجمعنا به وبكل الذين سبقونا بالإيمان من إخواننا وآبائنا في جنة الفردوس، عند مليك مقتدر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

وكتبه/ د. جلال الدين محمد صالح

 

13/3/ 1431هـ

28/3/ 2010

 

 

Comments

Powered by Azrul's Jom Comment
busy